أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
122
العقد الفريد
الشعر ، بيضاء تغمرها صفرة ، وعليها ثوب أصفر ، وطاق أخضر ؛ فقلن : أنشدنا يا ذا الرمّة ؛ فقال : أنشدهنّ يا عصمة . فأنشدتهنّ : نظرت إلى أظعان ميّ كأنها * ذرا النخل أو أثل تميل ذوائبه فأعربت العينان والصدر كاتم * بمغرورق تمت عليه سواكبه بكا وامق خاف الفراق ولم تجل * جوائلها أسراره ومغايبه فقالت ظريفة منهنّ : لكن الآن فلنجل . قال : فنظرت إليها مية متكرهة ، ثم مضيت في القصيدة ، حتى انتهيت إلى قوله : إذا سرحت من حبّ ميّ سوارح * على القلب آبته جميعا عوازبه فقالت [ لها ] الظريفة : قتلته قاتلك اللَّه ! قالت مية : ما أصحه وهنيئا له ! فتنفس ذو الرمّة تنفسا ظننت معه أنّ فؤاده قد انصدع ؛ ومضيت فيها حتى انتهيت إلى قوله : وقد حلفت باللَّه ميّة ما الذي * أقول لها إلا الذي أنا كاذبه إذا فرماني اللَّه من حيث لا أرى * ولا زال في أرضي عدوّ أحاربه فالتفتت إليه [ ميّة ] فقالت : خف عواقب اللَّه ! ومضيت في القصيدة حتى انتهيت إلى قوله : إذا راجعتك القول ميّة أو بدا * لك الوجه منها أو نضا الثّوب سالبه فيا لك من خدّ أسيل ومنطق * رخيم ومن خلق تعلّل جادبه « 1 » فقالت الظريفة : أما هذه فقد راجعتك ، وقد بدا لك الوجه منها ، فمن لك بأن ينضو الدرع سالبه ؟ فالتفتت مية إليها فقالت : قاتلك اللَّه ، ما أنكر ما تجيبين به ! فتحدثن ساعة ، ثم قالت الظريفة للنساء : إن لهذين شأنا ، فقمن بنا [ عنهما . فقامت ، وقمن معها ] وقمت معهنّ : فجلست في بيت أراهما منه ، فما رأيته برح من مقعده ولا قعدته ؛ فسمعتها قالت له : كذبت واللَّه ! ولا أدري ما قال لها .
--> ( 1 ) الجادب : العائب .